أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

194

العقد الفريد

قال ثمامة بن أشرس : ما رأيت الديك قط في بلدة إلا وهو يدعو الدجاج ويثير الحب إليها ويلطف بها ، إلا في مرو ، فإني رأيته يأكل وحده ، فعلمت أن لؤمهم في المآكل . ورأيت في مرو طفلا صغيرا في يده بيضة ، فقلت له : أعطني هذه البيضة . فقال : ليس تسع يدك ! فعلمت أن اللؤم والمنع فيهم بالطبع المركب والجبلّة « 1 » المفطورة . مروزي اشتكى سمالا : واشتكى رجل مروزيّ ضررا من سعال ؛ فدلّوه على سويق اللوز ، فاستثقل النفقة ورأى الصبر على الوجع أخف عليه ؛ فلم يزل يماطل الأيام ويدافع الأوقات حتى أتيح له بعض الموفقين ، فدله على ماء النخالة ، وقال له : إنه يجلو الصدر . فأمر بالنخالة فطبخت له وشرب ماءها ، فجلا صدره . ووجده بعضهم ، فلما حضر غداؤه أمر به فرفع إلى العشاء وقال لأم عياله اطبخي لأهل بيتنا النخالة ، فإني وجدت ماءها يعصم ويجلي الصدر فقالت له زوجته : قد جمع اللّه لك في هذا الدواء دواء وغذاء ! لابن صبيح : وقال خاقان بن صبيح : دخلت على رجل ليلا من أهل خراسان فإذا هو قد أتي بمسرجة فيها فتيل رقيق ، وقد ألقى في دهن المسرجة شيئا من ملح ، وقد علق فيها عودا بخيط معقود إلى المسرجة ، فإذا غشا المصباح أخرج به رأس الفتيل ؛ فقلت : ما بال هذا العود مربوطا ؟ فقال : هذا عود قد شرب الدهن ، فإذا لم نحفظه وضاع احتجنا إلى غيره فلا نجده إلا عطشان ، فإذا كان هذا دأبنا ضاع من دهننا في الشهر بقدر كفايتنا ليلة .

--> ( 1 ) الجبلّة : الخلقة .